باب في حب الولد باب في حب الولد
باب في حب الولد باب في حب الولد
أرسل معاوية إلى الأحنف بن قيس، فقال:
يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ قال:
" يا أمير المؤمنين " ، ثمار قُلوبنا، وعماد ظهورنا؛ ونحن لهم أرضٌ ذَليلة، وسماء ظَلِيلة، فإن طلبوا فأعْطِهم، وإن غَضبوا فأَرْضهم؛ يمنحوك ودهم ويُحبوك جَهْدهم؛ ولا تكن عليهم ثقيلاً فيملّوا حياتك، ويُحبُّوا وفاتك. فقال:
للّه أنت يا أحنف، لقد دخلتَ عليّ وإني لمملوء غضباً على يزيدَ فسَلَلَته من قلبي. فلمّا خرج الأحنفُ من عنده، بعث مُعاوية إلى يزيد بمائتي ألف درهم ومائتي ثوب، فبعث يزيدُ إلى الأحنف بمائة ألف دِرْهم ومائة ثوب، شاطره إياها.
وكان عبد الله بن عُمر يذهب بولده سالم كلَّ مَذْهب، حتى لامه الناسُ فيه، فقال:
يَلُومونني في سالمِ وأَلُومهم
***
وجِلْدةُ بين العَينْ والأنف سالمً
وقال:
إن ابني سالماَ ليُحِبّ حُبَّاً لو لم يَخَفْه لم يَعْصه.
وكان يحيى بن اليمان يَذْهب بولده داود كل مَذْهب، حتى قال يوماً:
أئمة الحَدِيث أربعة، كان عبد الله، ثم كان عَلْقمة، ثم كان إبراهيم، ثم أنت يا داود. وقال تزوّجْتُ أمَ داود، فما كان عندنا شيءٌ أُلّفه فيه، حتى اشتريتُ له كُسوة بدانِق.
وقال زيدُ بن علي لْابنه:
يا بُنيَّ، إن الله لم يَرْضك لي فأوصاك بي، ورَضيني لك فحذَرنيك، واعلم أنَ الآباء للأبناء مَن لم تَدْعه المَودَّةُ إلى التَفريط، وخَيْرَ الأبناء للآباء مَن لم يَدْعه التقصير إلى العُقوق.
وفي الحديث المَرْفوع:
ريح الوَلد من ريح الجنَّة.
وفيه أيضاً:
الأولاد منِ رَيحان اللّه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا بُشر بفاطمة:
رَيحانة أَشَمّها ورِزْقها على اللهّ.
ودخل عمرو بن العاص على مُعاوية وبين يديه بنته عائشة، فقال:
مَن هذه يا " أمير المؤمنين " ؟ فقال:
هذه تًفَّاحة القَلْب؛ فقال له:
انبذُوها عنك " يا أمير المؤمنين " فواللّه إنَهن لَيَلدْنَ الأعداء، ويُقرِّبن البُعداء، ويُورِّثن الضّغائن. قال:
لا تَقُل ذاك يا عمرو، فواللهّ ما مَرّضِ المَرْضى، ولا نَدَب الموْتى، ولا أعان على الأحزان مِثْلهن، ورُبَّ ابن أُخت قد نَفعَ خاله.
وقال المُعلّي الطائي:
لولا بُنيّات كزغْب القطَا
***
حُطِطْن من بعْض إلى بَعْض
لكان لي مُضطَرَب واسعٌ
***
في الأرض ذاتِ الطّول والعَرْض
وإنما أولادُنا بيننا
***
أكبادُنا تمشي على الأرض
إن هَبَّت الريحُ على بَعْضهم
***
لم تَشْبع العينُ من الغَمْض
وقال عبد الله بن أبي بَكْرة:
مَوْت الوَلد صَدْع في الكَبِد:
لا يَنجبر آخرَ الأبد.
ونظر عمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه إلى رجل يحمل طِفْلاً على عُنقه، فقال:
ما هذا منك؟ قال:
ابني يا أميرَ المؤمنين، قالت:
أمَا إنه إن عاش فَتَنَك، وإن مات حَزَنك.
وكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تُرَقص الحسين بن علي رضي اللهّ عنهما وتقول:
إنّ بُني شِبْه النبي
***
ليس شَبيهاً بعَلي
وكان الزُّبير يُرَقص " ولده " عُرْوَة ويقول:
أَبْيَضُ من آل أبي عَتِيق
***
مُبارَك مِن وَلد الصِّدِّيقِ
ألذَّه كما أَلذّ رِيقي
وقال أعرابي وهو يُرَقّص ولده:
أُحبُّه حُبَّ الشحيح مالَهْ
***
قد كان ذاقَ الفقر تمَ نالَهْ
إذا يُريد بذلَه بدالة وقال آخر وهو يُرْقص ولده:
أعرِف منه قلَّة النُّعاس
***
وخِفّةً في رَأسة من راسي
وكان رجلٌ من طيء يَقطع الطّريق، فمات وتَرك بُنياً رضيعاً، فجعلت أُمه تُرقصه وتْقول:
ياليتَه قد قطع الطّريقا
***
ولم يًرِد في أمره رَفيقاً
وقد أخاف الفَجّ والمضيقا
***
فقَلّ أن كان به شفيقاً
وقال عبدُ الملك بن مروان:
أضرَ بنا فِي الوليد حُبُّنا له فلم نُؤدِّبه، وكأنّ الوليدَ أدبنا.
وقال هارون الرشيد لابنه المعتصم:
ما فعل وصيفك " فلان " ؟ قال:
مات فاستراح من الكُتَّاب؛ قال أو بلغ منك الكتّاب هذا المبلغ! واللهّ لا حضرته أبداً، ووجّهه إلى البادية، فتعلّم الفصاحة، وكان أُمِّيّاً، وهو المعروف بابن مارِدة.
وفي بعضِ الحديث أنّ إبراهيم خليل الرَّحمن صلوات الله عليه كان من أغير النَّاس، فلمّا حضرَتْه الوفاة، دخل عليه ملك الموت في صُورة رجل أنكره فقال له؛ مَن أدخلك داري؟ قال الذي أسكنك فيها منذُ كذا وكذا سنة؛ قال:
ومَن أنت، قال:
أنا ملك الموت، جئت لقَبض رُوحك؟ قال:
أتاركي أنت حتى أودِّع ابني إسحاق؟ قال:
نعم، فأرسل إلى إسحاق، فلمّا أتاه أخبره، فتعلّق إسحاق بأبيه إبراهيم وجعل يتقطّع عليه بُكاءً؛ فخرج عنهما ملك الموت، وقال:
يا ربَّ ذبيحُك إسحاق متعلِّق بخليلك؛ فقال له اللّه:
قل له إني قد أمهلتك، ففعل. وانحلّ إسحاق عن أبيه، ودخل إبراهيم بيتاً ينام فيه، فقبض ملك الموت روحَه وهو نائم.
باب في حب الولد باب في حب الولد
۞۞۞۞۞۞۞۞
كتاب الياقوتة في العلم والأدب ﴿ 69 ﴾
۞۞۞۞۞۞۞۞
باب في حب الولد باب في حب الولد