📁 آخر الأخبار

التنزه عن استماع الخنا

 

التنزه عن استماع الخنا

التنزه عن استماع الخنا


التنزه عن استماع الخنا

والقول به

اعلم أنّ السامع شريك القائل في الشَر. قال الله " تعالى " :

 " سماعُونَ لِلْكَذِب " .

وقال العُتبي:

 حَدّثني أبي عن سَعد القصير قال:

 نَظر إليَّ عمرو بن عُتبة ورجل يَشْتُم رجلاً بين يديّ، فقال لي، ويلك - وما قال لي ويلك قبْلها - نَزَه سَمْعك عن استماع الخَنا كما تُنزِّه لِسانَك عن الكلام به، فإنّ السامعَ شريكُ القائل، وإنه عَمد إلى شرِّ ما في وعائه فأفرغه في وِعائك، ولو رُدَّت كلمة جاهل في فِيهِ لَسَعِدَ رادُّها كما شَقي قائُلها.

باب في الغلو في الدِّين

توّفِّي رجل في عَهد عمرَ بن ذَرّ ممن أسرَف على نفسه في الذنوب، وجاوَزَ في الطُّغيان، فتَحَامَى الناسُ عن جِنازته، فحضرَها عمرُ بن ذرّ وصلّى عليه، فلما أدْلٍيَ في قبره قال:

 يَرْحمك الله أبا فُلان، صَحِبْت عُمْرك بالتوحيد، وعَفَّرت وجهك لله بالسُّجود، فإن قالوا مُذْنِب وذو خَطايا، فمَن منَا غيرُ مُذنِب وذِي خطايا.

ومن حديث أبي هُريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال:

 " يأ يُّها الرُسل كُلُوا مِنَ الطًيبَاتِ واعْمَلوا صالِحاً إنّي بما تَعملون عَلِيم " وقال:

 " يأيها الذِينَ آمَنُوا كلوا مِنْ طَيِّبَاتِ ما رَزَقْنَا كُمْ " ، ثم ذكر الرجلَ يرى أشعثَ أغبرَ يمُدُّ يديه إلى السماء يقول:

 يا رَبّ يا رَب، ومَطعَمه حَرَام ومشرَبه حَرام ومَلْبسه حَرام، فأنى يُستجاب له؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم:

 إن اللهّ بَعثني بالْحَنِيفيَّة السَّمْحة ولم يبعثني بالرهبْانية المُبْتدعة، سُنَّتي الصلاة والنوم، والإفطار والصَّوم، فمن رَغِب عن سُنتي فليس مني.

وقال صلى الله عليه وسلم:

 إنّ هذا الدِّين مَتِين فأَوْغل فيه برِفق، فإنّ اْلمنبَتَ لا أرْضاً قَطع ولا ظَهْراً أَبقى.

وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه:

 خَير هذه الأمَّة هذا النَّمط الأوْسط، يَرْجع إليهم الغالي ويَلحق بهم التّالي.

وقال مطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير لابنه، وكان قد تَعبَّد:

 يا بُنيّ، إن الحسنَة بين السيئتين - يعني أن الدين بين الإفْراط والتّقْصير - وخَير الأمور أَوْسطها، وشَرّ السّير الحَقْحقة.

وقال سلمان الفارِسيّ:

 القَصْدَ والدًوامَ فأنت الجَواد السابق.

وقالوا:

 " طالب العِلم و " عاملُ البِرِّ كآكِل الطَّعام، إن أكل منه قوتاً عصمه وإن أسْرَف منه أَبْشَمه.

وفي بعض الحديث:

 إن عيسى بنَ مريم عليه السلام لَقِيَ رجلاً فقال له:

 ما تَصْنع؟ قال:

 أَتعبَّد، قال:

 فمن يَعود عليك؟ قال:

 أخي؛ قال:

 هو أعْبَد منك.

ونظير هذا أن رفقة من الأشعريين كانوا في سَفر، فلما قَدِموا قالوا:

 ما رأينا يا رسول الله بعدَكَ أفضلَ من فلان، كان يَصُوم النهار، فإذا نزَلنا قام من الليل حتى نرْتحل؛ قال:

 فَمن كان يَمْهن له ويَكفُله؟ قالوا:

 كلّنا قال:

 كلّكم أفضلُ منه.

وقيل للزهري:

 ما الزّهد في الدنيا؟ قال " أمّا " إنه ما هو بتشعيث اللِّمة، ولا قَشَف الهيئة، ولكنَّه ظَلَف النَّفس عن الشَّهوة.

عليِّ بن عاصم عن أبي إسحاق الشَّيباني قال:

 رأيتُ محمد بن الحنفيَّة واقفاً بعَرَفات على بِرذَوْن وعليه مُطْرَف خز أصْفَر.

السدِّي عن ابن جُريج عن " عثمان بن أبي سليمان:

 أن " ابن عباس كان يَرْتدي رِدَاء بأَلْف.

إسماعيل بن عبد الله بن جعْفر عن أبيه قال:

 رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ثوبان مصبوغان بالزَّعفران:

 رداء وعمامة.

وقال مَعمر:

 رأيتُ قميص أيوب السِّخْتِياني يكاد يَمس الأرض، فسألتُه عن ذلك؟ فقال:

 إن الشُّهرة كانت فيما مضى في تذْييل القَمِيص، وإنهّا اليومَ في تَشميره.

أبو حاتم عن الأصمعي:

 أن ابن عَوْن اشترى بًرْنساً فمرَّ على معاذَة العَدَويَّة، فقالت:

 مِثلُك يَلْبس هذا؟ فذكرتُ ذلك لابن سيربن، قال:

 أفلا أخبرتها أن تَميما الدارمي اشترى حُلَّة بألف فصلّىِ فيها.

قدم حمَّاد بن سَلمة البَصرة فجاءه فرْقد السَّبَخي وعليه ثيابُ صُوف، فقال له حمَاد:

 ضَع عنك نَصرانيّتك هذه، فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم " فيخرج إلينا " وعليه معَصفْرة، ونحن نرى أن المَيْتة قد حلَّتْ له أبو الحسن المدائنيّ قال:

 دخل محمد بن واسع على قُتيبة بن مُسلم وَالي خُراسان في مِدْرَعة صوف، فقال له:

 ما يدعوكَ إلى لِباس هذه؟ فسكت؟ فقال له قتيبة:

 أكلّمك ولا تُجيبني؟ قال:

 أَكرَه أن أقولَ زُهداً فأُزَكّي نفسي، أو أقولَ فَقْراً فأَشكو ربي، فما جوابُك إلا السُّكوت.

قال ابن السًماك لأصحاب الصُّوف:

 واللّه لئن كان لباسُكم وَفْقاً لسرائركم فقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، وإن كان مخالفاً لها فقد هَلكتم.

وكان القاسمُ بن محمد يَلْبس الخزّ، وسالِم بن عبد الله يَلْبس الصُّوف، ويقعُدان في مجلس المدينة، فلا يُنكر هذا على هذا " شيئاَ " ولا ذا على هذا.


ودَخل رجلٌ على محمد بن المُنْكَدر فوجده قاعداً على حَشايا مُضاعَفة، وجاريةٌ تُغَلِّفه بالغالية، فقال:

 رَحمك اللّه، جئتُ أسألك عن شيء وجدتك فيه - يريد التزيّن - قال:

 على هذا أدركتُ الناس.

وصلّى الأعمشُ في مسجد قوم فأطال بهم الإمام، فلما فَرغ، قال له:

 يا هذا، لا تُطِلْ صلاتك، فإنه يكون خَلْفك ذو الحاجة والكبَير والضَّعيف؟ قال الإمام:

 وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين؛ فقال له الأعمش:

 أنا رسولُ الخاشعين إليك، إنهم لا يَحتاجون إلى هذا منك.

العُتْبيّ قال:

 أصابت الربيعَ بن زِياد نُشَّابةٌ في جبينه، فكانت تنتقض عليه كل عام، فأتاه عليُّ بن أبي طالب عائداً، فقال له:

 كيف تَجدك يا أبا عبد الرحمن؟ قال:

 أجدُني لو كان لا يذهب ما بي إلا بذَهاب بَصري لتمنيّت ذهابَه، قال له:

 وما قيمة بَصرك عندك؟ قال:

 لو كانت لي الدُّنيا فديتُه بها؟ قال:

 لا جَرم، ليُعطينّك اللهّ على قَدْر الدُنيا، لو كانت لك لأنفقتها في سبيله، إِنّ الله يُعطي على قَدْر الألم والمُصيبة وعنده بعدُ تَضْعيفٌ كثير. قال له الرَّبيع:

 يا أميرَ المؤمنين، ألا أشكو إليك عاصمَ بن زِياد؟ قال:

 وماله؟ قال:

 لَبِسَ العَباء، وتَرَك المُلاَء، وغم أهْلَه، وأحْزن وَلَده؛ قال:

 عليِّ عاصماً. فلما أتاه عَبس في وَجْهه، وقال:

 وَيْلكَ يا عاصم! أترى الله أباح لك اللذّاتِ وهو يكره " منك " أخْذَك منها، أنت أهونُ على الله من ذلك، أو ما سَمعْته يقول:

 " مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَان بَيْنهما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَان " حتى قال:

 " يَخْرُجُ مِنْهَما اللُؤْلُؤُ والمَرْجَان " . وتاللّه لابتذال نِعَم الله بالفِعال، أحب إِلي من ابتذالها بالمَقَال، وقد سمعته يقول:

 " وأمَّا بِنِعْمَةِ ربكَ فَحَدًث " وقوله:

 " قُلْ مَنْ حَرَمَ زِينَةَ الله الَتي أخْرَجَ لِعِبَادهِ والطيبَاتِ مِنَ الرزْقِ " . قال عاصم:

 فعلامَ اقتصرتَ أنت يا أميرَ المَؤمنين؟ على لِبْس الخَشِن وأكْل الحَشف؟ قال:

 إن الله افترض على أئمة العَدْل أن يُقَدِّروا أنفسَهم بالعوامّ لئلاّ يَشْنعَ بالفقير فَقرُه. فما بَرِح حتى لِبس المُلاء وترك العَباء.


محمد بن حاطب الْجُمَحيّ قال:

 حدّثني من سَمع عمرو بن شُعيب، وكنتُ سمعتُه أنا وأبي جميعاً، قال:

 حدّثني عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدّه عن " عبد الله بن مَسعود قال:

 أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم أمّ " عبد الله بن عمرو " بن العاص " ، وكانت امرأة تَلْطُف برسول الله صلى الله عليه وسلم وسلّم، فقال:

 كيف أنتِ يا أمَ عبد الله؟ كيف أكونُ وعبد الله بن عمرو رجلٌ قد تخلّى من الدنيا، قال لها:

 كيف ذلك؟ قالت:

 حرّم النوم فلا ينام، ولا يُفطر، ولا يَطْعم اللحم، ولا يؤدِّي إلى أهله حقَّهم؟ قال:

 فأين هو؟ قالت:

 خرج ويُوشك أن يَرْجع الساعة، قال:

 فإذا رجع فاحبسيه عليَّ. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء عبد الله وأوْشك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرَّجعة، فقال:

 يا عبد الله بن عَمرو، ما هذا الذي بلغني عنك، " قال:

 وما ذاك يا رسولَ الله؟ قال بَلَغني، أنك لا تنام " ولا تُفْطر " ؟ قال:

 أردتُ بذلك الأمْنَ من الفزع الأكبر قال:

 وبلَغني أنك لا تَطْعم اللَّحم، قال:

 أردتُ بذلك ما هو خيرٌ منه في الجنَّة؛ قال:

 وبلغني أنك لا تؤدي إلى أهلك حقَهم؛ قال:

 أردتُ بذلك نساءً هنَّ خير منهنّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلَّم يا عبد الله بن عمرو، إن لك في رسول الله أسوة حَسنة، فرسول الله يَصوم ويُفطر ويأكل اللَّحم، ويُؤدِّي إلى أهله حقوقَهم. يا عبد الله بن عمرو، إنَ لله عليك حقّا، وإنَ لبدنك عليك حقّا، وإن لأهلك عليك حقّا. فقال:

 يا رسول الله، ما تأمرني أن أصوم خمسة أيام وأفطر يوماً؟ قال:

 لا؛ قال:

 فأصوم أربعة وأفطر يوماً؟ قال:

 لا؛ قال:

 فأصوم ثلاثة وأفطر يوماً؟ قال:

 لا؛ قال:

 فيومين وأفطر يوماً؟ قال:

 لا، قال:

 فيوماً " وأفْطِر يوماً " ؟ قال:

 ذلك صيام أخي داود، يا عبد الله بن عمرو، كيف بك إذا بَقِيت في حُثالة من الناس قد مَرِجَتْ عهودُهم ومواثيقُهم فكانوا هكذا - وخالف بين أصابعه قال:

 فما تأمرني " به " يا رسول اللهّ؟ قال:

 تأخذ ما تَعرف، وتَدَع ما تُنكر، وتَعمل بخاصَّة نَفْسك، وتَدع الناس وعوامَّ أمرهم. قال:

 ثم أخذه بيده وجعل يمشي به حتى وضعَ يده في يد أبيه، وقال له. أطِع أباك. فلما كان يومُ صِفّين، قال له أبوه عمرو:

 يا عبد الله، اخرج فقاتل، فقال:

 يا أبتاه، أتأمُرني أن أخرج فأقاتل وقد سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت وعَهِد إليَ " ما عهد " ؟ قال:

 أنشدك الله، ألم يكن آخر ما قال لك أن أخذ بيدك فوضعها في يدي، وقال لك:

 أطِع أباك؟ٍ قال:

 اللهم بلى؛ قال:

 فإني أعزم عليك أن تَخْرج فتقاتل. قال:

 فخرج فقاتل متقلَداً بسيفين.

التنزه عن استماع الخنا

۞۞۞۞۞۞۞۞

 كتاب الياقوتة

 في العلم والأدب ﴿ 57 ﴾ 

۞۞۞۞۞۞۞۞

التنزه عن استماع الخنا

تعليقات